محمد بن جرير الطبري

307

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

والثالث : " هَجَر البعير " ، إذا ربطه صاحبه ب‍ " الهِجَار " ، وهو حبل يُربط في حَقْويها ورُسغها ، ( 1 ) ومنه قول امرئ القيس : رَأَتْ هَلَكًا بِنِجَافِ الْغَبِيطِ . . . فَكَادَتْ تَجُدُّ لِذَاكَ الْهِجَارَا ( 2 ) فأما القول الذي فيه الغلظة والأذى ، فإنما هو " الإهجار " ، ويقال منه : " أهجر فلان في منطقه " = إذا قال " الهُجْر " ، ( 3 ) وهو الفحش من الكلام = " يُهْجر إهجارًا وهُجرًا " . * * * فإذ كان لا وجه ل‍ " الهَجْر " في الكلام إلا أحد المعاني الثلاثة ( 4 ) = وكانت المرأة المخوف نشوزُها ، إنما أمر زوجها بوعظها لتنيب إلى طاعته فيما يجب عليها له من موافاته عند دعائه إياها إلى فراشه = فغير جائز أن تكون عظته لذلك حتى تفيء المرأة إلى أمر الله وطاعة زوجها في ذلك ، ( 5 ) ثم يكون الزوج مأمورًا

--> ( 1 ) الحقوان ، وأحدهما حقو ( بفتح فسكون ) : الخاصرتان . ( 2 ) ديوانه : 93 ، معجم ما استعجم : 991 ، واللسان ( هلك ) ثاني بيتين ، قالهما في ناقته ، والأول : أَرَى نَاقَةَ الْقَيْسِ قَدْ أَصْبَحَتْ . . . عَلَى الأيْنِ ذَاتَ هِبَابٍ نَوَارَا " القيس " يعني نفسه . و " الأين " شدة التعب . و " الهباب " : النشاط : و " النوار " ، النفور من شدة بأسها وقوتها . و " الهلك " ( بفتحتين ) : ما بين أعلى الجبل وأسفله ، أو المهواة بين الجبلين ، أو الشق الذاهب في الأرض . و " الغبيط " صحراء متسعة لبني يربوع ، وسطها منخفض وطرفها مرتفع ، كهيئة الغبيط = وهو الرحل اللطيف = وذكره امرؤ القيس في كثير من شعره . و " النجاف " جمع " نجف " جمع " نجفة " : وهي أرض مستطيلة مرتفعة لا يعلوها الماء ، تكون في بطن الوادي شبه جدار ليس بالعريض . وقوله " تجد " أي : تقطع حبل الهجار = وهو حبل يشد في رسغها = وذلك نفورًا من المهواة التي أفزعتها . ( 3 ) " الهجر " هنا بضم الهاء وسكون الجيم . ( 4 ) يعني " الهجر " بفتح الهاء وسكون الجيم . ( 5 ) في المطبوعة : " ثم تصير " ، وفي المخطوطة مثله ، إلا أنه كتب " تصير " بقلم مضطرب ، والظاهر أن الناسخ لم يستطع قراءة الكلمة على وجهها فاضطرب قلمه . والصواب المحض " تفيء " أي ترجع ، وأما " ثم " فهو سهو منه ، بل هي " حتى " كما أثبتها ، وهي حق السياق .